ابن عجيبة

121

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم وبّخهم على عدم تأثير هذه المعجزة في قلوبهم ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 74 ] ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 74 ) قلت : القسوة والقساوة : هي الصلابة واليبوسة ، كالشقوة والشقاوة ، يقال حجر قاس ، أي : يابس . قال الشاعر : ولا أرى أثرا للذّكر في جسدي * والحبل في الجبل القاسي له أثر و ( أو ) للإضراب ، أو بمعنى الواو ، أو للتنويع ، فبعضها كالحجارة وبعضها أشد . يقول الحق جل جلاله : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ يا معشر اليهود ، ويبست فلم تلن ولم تخشع ، مع ما رأت من الآيات كانفجار الحجر بالماء في التيه ، وإنزال المن والسلوى ، وتظليل الغمام ، وإحياء الميت وغير ذلك . قال الكلبي : ( أنكروا بعد ما رأوا ذلك ، وقالوا : ما قتلنا ، فما كانوا قط أعمى قلبا ، ولا أشد تكذيبا منهم لنبيهم عند ذلك ) فقلوبهم كالحجارة ، بل أشد ، أو إن شبهتم قلوبهم بالحجارة أصبتم ، وبما هو أشد أصبتم ، بل في الحجارة فضل عليها في اللين ، فإن منها ما تتفجر مِنْهُ الْأَنْهارُ الكبار ، ومنها ما تشقق فَيَخْرُجُ مِنْهُ العيون الجارية ، ومنها ما تهبط من رأس الجبل مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . وفي بعض الأخبار : « كل حجر تردّى من رأس جبل فهو من خشية اللّه » ، وقلوبكم يا معشر اليهود لا تلين ولا تخشع ولا تأتى بخير . نسأل اللّه السلامة بمنّه وكرمه . الإشارة : كل من أساء الأدب مع أستاذه ، أو خرج عن دائرته إلى غيره ، قسا قلبه ، وذهب حاله ولبه ، فإن رجع قريبا واستدرك ما فات ، لان قلبه ونهض حاله ، وإلا وقع في مهاوى القطيعة ، ولم يأت منه شئ . وللقلب القاسي علامات : منها جمود العين ، وطول الأمل ، وعدم الحزن على ما فاته من الطاعات وما صدر منه من السيئات ، وعدم الفرح بما يصدر منه من الطاعات ، فإن المؤمن تسره حسناته وتسيئه سيئاته ، ودواؤه : صحبة الفقراء الذاكرين الخاشعين ، والجلوس بين يدي العارفين الكاملين ، وتعاهد الصيام ، والصلاة بالليل والناس نيام ، والتضرع إلى الحي القيوم الذي لا ينام ، وللشافعي رضي اللّه عنه : ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبى * جعلت الرّجا منّى لعفوك سلّما تعاظمنى ذنبي فلمّا قرنته * بعفوك ربّى كان عفوك أعظما